بقلم الأستاذ: عبد الحكيم خلفي


  نظم مركز مناهل للدراسات والأبحاث وإحياء التراث يومه السبت 16 ربيع الأول 1443هـ الموافق لـ: 23 أكتوبر 2021م، ملتقاه التأسيسي في موضوع: التراث المغربي الأندلسي، ومقتضيات التكوين والاستمداد. بمشاركة وتأطير الدكتور توفيق الغلبزوري.

وقد افتُتح اللقاء بآيات بينات من الذكر الحكيم تلاها القارئ عبد الحفيظ زعاج، ثم تناول رئيس مركز مناهل للدراسات والأبحاث وإحياء التراث الدكتور محمد ابجطيط، كلمة افتتاحية رحب فيها بالدكتور المحاضر وبالحاضرين، ليقدم ورقة تعريفية بمركز مناهل، وأبرز الأهداف التي يرمي إلى تحقيقها؛ من إغناء الحياة العلمية والثقافية في مجال العلوم والدراسات الإنسانية وترسيخ مبدأ الوسطية والاعتدال، وتنظيم ودعم وتأطير مختلف التظاهرات العلمية والندوات والمحاضرات والدورات التكوينية والأيام الدراسية، والتعاون مع مختلف الجهات المهتمة بالمجال العلمي وطنيا ودوليا، والسهر على إعداد ودعم مختلف المشاريع ذات البعد العلمي، وإصدار الكتب والمجلات والمطويات والأبحاث والمنشورات والدراسات العلمية، وتوجيه الطلبة الجامعيين ومواكبتهم ودعمهم معرفيا ونفسيا، وختم كلمته بتجديد الترحاب بالأستاذ المحاضر والمتابعين، وكذا الترحيب بكل الأعمال والمبادرات العلمية لغرض النشر، والترحيب بجميع العلماء والخبراء الراغبين في تقاسم تجاربهم وأعمالهم العلمية مع المركز.

ليأخذ بعده الكلمة مسير اللقاء الأستاذ خالد أزذاذ الذي قدم نبذة مختصرة عن سيرة الدكتور توفيق الغلبزوري العلمية، وأبرز مؤلفاته وكتاباته ومحاضراته.

وقد استهل الدكتور توفيق الغلبزوري كلمته بتقديم الشكر لأعضاء المركز، معبرا عن سعادته وسروره للمشاركة في هذا اللقاء التأسيسي الذي عقده مركز مناهل، وبما أن هذا المركز يعنى بالدراسات والأبحاث وإحياء التراث، فقد رأى الدكتور الغلبزوري أن يعنون محاضرته بـ: "التراث المغربي الأندلسي، ومقتضيات التكوين والاستمداد" الذي قصد به كيفية الاطلاع على هذا التراث وحيثيات الاهتمام به، فاللاحق يبني على أقوال السابق وهذا هو معنى التجديد، إذ إن أول التجديد قتل القديم بحثاً، فلا يمكن لأحد أن يزعم تجديداً في علم من العلوم إلا بعد قتل القديم بحثاً، لكي نؤسس على التراكم العلمي والمعرفي، وهذا في سائر العلوم، أما من يتوهم التجديد من الصفر فإن هذا يعد تبديداً وليس تجديداً.

لهذا فأول ما ينبغي أن يعلم هو أن التراث المغربي الأندلسي يتميز بخاصية الشمولية والموسوعية، فهو ليس تراثاً ضيقاً؛ بل هو تراث منفتح شامل موسوعي عام، ليؤكد المحاضر على أن أول ما ينبغي أن يبدأ به طالب العلم في تكوينه في هذا التراث الذي هو تراث آبائه وأجداده، هو كتب التاريخ، الأندلسي والجغرافيا، ليعيش الباحث الزمان والمكان لأن فيها ما لا يوجد في غيرها، فلابد من جرد هذه الكتب، وقد شرع الدكتور في تقديم مجموعة من هذه الكتب مثل كتاب البيان المغرب لابن عذاري، ونفح الطيب للمقري، وأزهار الرياض للمقري، والإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب، وغيرها.. هذا إضافة إلى كتب التاريخ المعاصرة وكتب المتأخرين... وأكد المحاضر على أن هذه الكتب لابد من جردها قراءة وبحثا ليجد فيها الطالب بغيته ومراده.

وبعد كتب التاريخ ذكر الدكتور المحاضر مجموعة من كتب الرحلات التي تضم معلومات مهمة، مثل كتاب الروض المعطار للحميري ورحلة ابن جبير الأندلسي، ورحلة ابن رشيد السبتي، ورحلة الإمام العبدري، ورحلة القاضي أبي بكر بن العربي، ونزهة المشتاق للإدريسي، ورحلة الحسن الوزان الإفريقي وغيرها.. وكذا الرحلات المعاصرة، كرحلة اليوسي، ورحلة العياشي، وغيرها.. هذا إضافة إلى رحلات الحج، وهي رحلات تذكر مجموعة من الحواضر المدن والبوادي والأعلام والعلوم والكتب والحوادث والطرائف والمُلح التي لا توجد في الكتب الأخرى، وأكد على أن هذه الكتب مهمة في تصور استيعاب الحركة العلمية بالمغرب والأندلس، فهي ليست كتب للتاريخ البحت كما هي كتب التاريخ السياسي المتأخرة، بل هي تاريخ للعلوم والفنون والأعلام والأدباء، وفيها من الفوائد ما لا نجده في الكتب المتخصصة.

إضافة إلى ما سبق أكد الدكتور الغلبزوري على ضرورة الاهتمام وجرد الباحث لكتب التراجم والعلماء، فهو الذي يكون الباحث الدارس المتخصص، لا أخذ نتف من هنا وهناك، ومثل  لهذه الكتب بكتاب علماء الأندلس لابن الفرضي، وجذوة المقتبس للحميدي، وبغية الملتمس للضبي، والصلة لابن بشكوال وصلة الصلة لابن الزبير، وتكملة الصلة لابن عبد الملك، وترتيب المدارك للقاضي عياض... هذا إضافة إلى كتب الفهارس والمشيخات وغيرها..

فلابد لطلب العلم الجاد أن يجرد هذه الكتب قراءة للاطلاع على التراث المغربي الأندلسي، في أي فن من الفنون، سواء كنت تقصد التخصص في التفسير أو الحديث أو الفقه، أو الأصول، أو علم الكلام، أو غير ذلك من العلوم، فبهذه الكتب يحصل للطالب التكوين والاستيعاب العام لتاريخ العلوم والعلماء بالأندلس، ويمكن بعد ذلك الولوج إلى كتب التخصص في الفن الذي يراد التخصص فيه.

وأشار الدكتور على أن العلوم الإسلامية ليس فيها تخصص بالمعنى الدقيق للتخصص، إذ لابد من الإلمام بكل العلوم الإسلامية، لأن بينها تكامل، ثم الاقتصار بعد ذلك على التوسع في التخصص، وقد انتقد من يدعي التخصص في علم من العلوم دون الاطلاع على باقي العلوم، إذ لا يمكن الاستغناء عن علم من هذه العلوم، بل لابد من دراسة هذه العلوم كلها والتدرج فيها.

كما أشار إلى أن من يريد التخصص في أي علم من العلوم، فإنه لابد له من دراسة هذه العلوم، ثم التخصص في العلم الذي يريد الاشتغال به، مع التجديد فيه، كالتجديد في علم الكلام، وعلم التفسير، وعلم الحديث وشروحه، والفقه المالكي والمذاهب التي كانت منتشرة في الأندلس، وغيرها.. وقد مثل لكل علم من هذه العلوم بأبرز المصادر المغربية والأندلسية، التي يمكن الاستعانة بها وتوظيفها من أجل البحث في هذه التخصصات.

ليوصي في الأخير الباحثين في التراث المغربي والأندلسي بالتدرج على نحو المذكور في التكوين والاستمداد وعدم الاستعجال بقطف الثمرة قبل بدو صلاحها والاتجاه رأسا نحو كتب التخصص وإهمال الكتب الممهدة لهذا التخصص، وجردها قراءة وبحثا ومطالعة وتدوينا للفوائد.

وفي نهاية هذا الملتقى التأسيسي المنظم من طرف مركز مناهل، وبعد كلمة شكر وامتنان تقدم بها مسير الجلسة باسم المركز للأستاذ الدكتور توفيق الغلبزوري على محاضرته القيمة، قام الأستاذ نور الدين فرحاوي بختم اللقاء بالدعاء الصالح.

بقلم الأستاذ: عبد الحكيم خلفي

 



أحدث أقدم

ميزة جدول التنقل